مع وعن السعوديين أتحدث بصراحة
سليمان النقيدان *
أستطيع ان اقول من الآن فصاعدا عليكم التخلص من
ذلك الانطباع الراسخ او ذلك التصور السائد في اوساطكم عن الشخصية
السعودية بنمطيتها المحافظة وميلها الشديد الى الهدوء وعزوفها عن
الانخراط في الصخب والضوضاء الذي هو على العموم سمة عربية
بامتياز، فقد غلب على هذه الشخصية طابع التكتم في العمل الوطني
والتؤدة وعدم العجلة في الاصلاح والتغيير والتعبير، الا ان دوام
الحال من المحال كما يقولون، ولأن ايقاع الحياة المعاصرة
بمتغيراتها المهولة والتي طالت كل شيء في حياتنا من اساليب العيش
وانماط التفكير وأنساق العلاقات الاجتماعية وهي حقيقة لا يمكن
نفيها او التقليل من شأنها، اقول كل هذا جعل من هذا النهج حيزا
ضاق سياجه عن ممارسة الحياة الجديدة ومطالب التحديث وحال دون
ابتكارات وممارسات اجتماعية جديدة. هذا النهج او دعنا نسميه
المزاج السعودي الخاص الذي اعتبر بصمة واضحة عرفت بها البلاد
وشعبها على مر العقود الماضية قد اصبح هدفا لنقد الكثيرين من
الناس في بلادي قيادة وافرادا، لأنهم باتوا مقتنعين انهم جزء من
هذا العالم وبمستجداته التي لا يمكن اغفالها او تأجيلها، فالعالم
يتواصل ويلتقي عبر وسائل وتقنيات لم تخطر على بال اكثر المهووسين
تطرفا في استشراف المستقبل ومكتشفاته. اضف، وهذا هو المهم، الى
اننا بصدد تشكل مجتمع جديد ناهض اختلفت مكونات ثقافته عن ثقافة
الآباء وهو بالطبع نتاج اعظم واضخم خطط تنموية سخية يشهدها
عالمنا الثالث بعد الحرب العالمية الثانية، واسمح لنفسي ان اقول
وأنا لست ذلك الباحث الاجتماعي او الدارس لحركة المجتمعات
وظواهرها ان مجتمعنا السعودي في طريقه لا محالة للتشكل كتركيبة
اجتماعية مدنية تدين بولائها للوطن وفق علاقات جديدة وعبر
مؤسساته المدنية بعيدا عن الولاء التقليدي القبلي والفئوي
والمناطقي، ولما لوحظ عليه من حرارة التحمس لحرق المراحل ولهاثه
المتواصل للحاق بصفوف الدول الاكبر اخذا بالنمو. ولكن الذي
استغربه وهو الذي سيكون مدار حديثي معكم اليوم ان هناك من لا
يريد ان يعترف بهذه الحقيقة او هذا الواقع الجديد لمجتمع بدأ
يطرق ابواب التحديث بشدة، فهم ما زالوا بخطئهم المتخلف العقبة
الكأداء امام التحديث والعصرنة في بلادي، بل ويصرون على لعب هذا
الدور بضمائر مستريحة دون استشعار لحس وطني او تفهم لظروف طارئة
ملحقين الضرر بالجميع وبشكل بالغ، ساعدهم في ذلك تمكنهم من
مخاطبة الجمهور مباشرة عبر منابر عامة استحوذوا عليها دون
الآخرين تحسبهم بسقيم طرحهم انهم يمارسون التسلية وقضاء الفراغ
على حساب الوطن وأهله، اذ تجدهم متحفزين عند كل تغيير يجاري سنة
الحياة مفشلين كل خطط تطرحها الدولة او منجز يقترح او مشروع يقام
هدفه المصلحة العامة، حتى لو كان هذا المنجز مجرد شارع سيفتح او
جهاز اداري سيعاد تشكيله حسب المصلحة او مرفق عام للتنزه، عندها
خذ وأنصت بملل لا يطيقه اكثر الناس حلما وحكمة مع اختلاق
للاكاذيب ومماحكة مكشوفة وتنطع لا مثيل له يحاصرون المسؤول
بأسئلة الريبة والشك كأن المجتمع هو اهلهم ولا اهل لنا فيه، من
الواجب التحوط والمعالجة السريعة بل والنزول لتفادي هذا التفكير
او لنسمه الظواهر الغربية حتى تأتي آثارها محدودة ولا تعيق
التحديث والتطوير. أعرف ان الامر اسخف مما اتصور، ولكنه واقع
ملموس نحسه ونعانيه وندرك خطر عدم مناقشته والتصدي له، ففعله
وعمق تأثيره كان مفاجأة لنا جميعا، فهو بصورة او اخرى (تفسيق
وهجرة) فقد بلغ درجة المناكفة والاستفزاز وتحريض العامة والغوغاء
على ممارسة امور مرفوضة، واعرف ايضا ان البعض منكم يرى انها لا
تستحق ان يقرر لها جدلا او نقاشا ولكن اعود واقول ما حيلتنا
والجهل يصر على بسط سطوته وهو الذي اوصلنا الى هذه الحالة من
تسطيح القضايا وتهويل الصغائر. وبادئ ذي بدء اؤكد لكم انني لست
من الذين يصرون على نسيان البداية والتنكر للاصل وتهويل الظواهر
وتحويلها الى مشكل اجتماعي، ابدا بل امارس ما يمارسه غيري من
الرصد والنقد في حدود ما تسمح به الظروف من غير مبالغة ولا تصيد
لأخطاء تيار بعينه، وأنا أزعم انني اشتغل في حدود الموضوعية وفي
اطار المصلحة العامة لا اكثر، بدليل اننا تناولنا السياسي بالنقد
وبكل حرية وصراحة وقد كنا اكثر قسوة به من غيره، فلماذا يبقى هذا
التيار بعيدا عن التناول محاطا بهالة من التبجيل وكلها كما
تعلمون افعال بشر اصابت مجتمعنا المتدين في ضميره والتشكيك في
صدق ونقاء توجهه الديني منذ بزوغ فجر الاسلام، وانا في تقديري
الشخصي اعتبر التكتيك الذي نمارسه معهم اوقات المحن بقصد تحييدهم
هو رسالة اسيء فهمها من قبلهم وهو الخطأ الذي نرتكبه كل مرة. وثم
جانب آخر مهم جدا، وتجدر الاشارة اليه، وفي حدود تقويم وتفسير
هذه الظاهرة من وجهة نظر شرعية متواضعة وهو جانب يتعلق بخطأ
الرؤية وهشاشة المنطلق وهو طبيعة تصورهم والزاوية التي ينظرون
الى الحياة والناس والمتغيرات، حيث اسرفوا بمحاولة مقاومة
التغيير المشروع، وذلك باستجلاب وتطبيق القاعدة الفقهية الغائبة
«سد باب الذرائع» في كل نازلة وتافهة على حد سواء، مما أفقد هذه
القاعدة الاصولية استثنائية وندرة تعاطيها في كل العصور، حيث هوت
من عل لتعالج التنطع المهلك والورع الرهابي المتفشي بيننا ان صح
التعبير بدلا من انزالها عند مشروطها ووقت اكتمال صورتها لأمر قد
يقع او لا يقع مطلقا على ان يترك امرها للراسخين في العلم
القادرين على استشراف المستقبل وتحويلاته بحس نقلي وعقلي لا
لواعظ ارهقنا بتضخيم التوافه اوقات المحن. ولأني مصر على ان تبلغ
الشفافية مداها فسأكون صريحا ولا اخفيكم اني من الذين قد أضناهم
غموض هذا السلوك (الظاهرة) دون المجتمعات الاسلامية الاخرى،
فالقاعدة المعروفة لكل ذي بصيرة تقول ان بناء المعرفة والوعي
يتشكل او يتجه برسالته من قمة الهرم الاجتماعي وهم طبقة المفكرين
وقيادات الرأي من فقهاء ومثقفين الى القاعدة، وهم السواد الاعظم
من الجمهور، بمعنى ان النخبة تنتج والغالبية من الناس تستهلك،
لكن مجتمعنا دون المجتمعات الاخرى قلب هذه القاعدة المنطقية،
وأنا بدوري انصحكم بألا تندهشوا حينما ترون الفقيه صاحب الفتيا
في عراك مع طلابه والعامة ايضا ليغير ويبدل، ولا يفسر هذا السلوك
على غرابته انه تعد او افتئات على اهل الاختصاص، بل ممارسة متاحة
حتى للسوقة من الناس وهو تقليد توارثناه وحافظنا عليه من ايام
المتوكل، حيث ان هذا التيار يعول على الطبقة الشعبية والعوام
وسلطتهم العريضة في التعبئة العامة ومقاومة الآخر، اما المثقف
فأمره كله عجب، فهو الاضعف امام هذا التيار وهو دائما طريد
ابداعه وآرائه حى لو كان هذا مجرد حوار فرضه السياق القصصي على
لسان أحد شخوصه الخيالية والذي يحاكي جدل الدهريين مع النبي صلى
الله عليه وسلم في محكم كتابه، فهو من وجهة نظرهم بوح صريح
بالزندقة والمروق ونشر للفحش والفساد بين الناس، حقا ان ذلك
يذكرني بالهوس الديني عند الاوربيين في العصور الوسطى ولا ابالغ.
وفي الختام اخلص الى سؤال مهم من وجهة نظري اتوجه به الى نخبة من
المستنيرين لكي يساعدونا على ايجاد حل لهذا اللغز او هذا المشكل
الاجتماعي. والسؤال هو: لماذا مجتمعنا دون المجتمعات الاخرى في
عراك دائم مع نخبته وصفوته؟ وهل هناك سبب او علة خفيت على امثالي
من الناس.. نريد ان نفهم؟ وهل أنا محق عندما قلت ان وعينا وفعلنا
هو شرط مربوط بمشروطه التاريخي البعيد والبعيد جدا، حيث ان هناك
خيوطاً طويلة ورفيعة تمتد لقرون بعيدة تربطنا بالمجتمع المؤسس
الاول، وهو ما نسميه بالمرجعية المذهبية الاولى ايام المتوكل.
اتمنى ان اكون محقا لأكون أول الممسكين بخيوط هذه الظاهرة
الغامضة وهي مفتاح انطلاقنا وتطورنا.
* كاتب
سعودي
s-alnugaidan@aawsat.com